محمد متولي الشعراوي

1637

تفسير الشعراوى

جميعا أن الإنسان مستخلف كسيد في الكون ، ومن بعده الحيوان أقل منه في الفكر ومسخر ، ومن بعد الحيوان يكون جنس النبات ، ومن بعد ذلك يأتي جنس الجماد ومنه الحجر . إننا نرى هذا الإنسان السيد في الكون لا يقبل اللّه منه النسك القبول التام الحسن إلا إذا قبل الحجر ، أو حياه ، وهكذا ينقل الحق أعلى الأجناس إلى أدناها . والناس تزدحم حول الحجر ، ومن لم يقبل الحجر يحس أنه افتقد شيئا كثيرا ، وهكذا ترى استطراقا وسلوكا من الخلق إلى باب اللّه ، فالإنسان المتكبر الذي يتوهم أنه سيد على غيره ، يأتي إليه أمر في النسك بتقبيل الحجر أو تحيته بالسلام ، وهذا الإنسان برغم أن الحق - سبحانه - يقبل منه أن يحيى الحجر الأسود بالسلام ولم يفرض عليه أن يقبّله ولكنه مع ذلك يحاول أن يقبل الحجر ، وهو أدنى الأجناس ، لأن اللّه قد عظمه ، وهذا أول كسر لأنف غرور الإنسان ، وحتى لا يظن ظان أنها حجرية أو وثنية ، يأتي الأمر من الحق برجم حجر آخر . إذن فالحجرية لا ملحظ لها هنا ، فنحن نجد حجرا يقدس ، وحجرا آخر يرجم . نجد حجرا يقبله الإنسان ويعظمه وحجرا آخر يزدريه ويحقره . وذلك يدل على رضوخنا لإرادة الآمر سبحانه وتعالى فقط ، فعندما يأمرنا بأن نعظم حجرا فالمؤمن يؤدى حق التعظيم بالسمع والطاعة ، وعندما يأمرنا سبحانه برجم حجر آخر ، فالمؤمن يرجم هذا الحجر بالسمع والطاعة للّه أيضا ، فالذاتية الحجرية لا دخل لها على الإطلاق . وبعض من أصحاب الظن السيئ قالوا : إن الإسلام قد استبقى بعض الوثنية . ولهؤلاء نقول : ولماذا تذكرون تعظيم الحجر الأسود ، ولم تذكروا رجم إبليس وهو ثلاثة أحجار ؟ لقد عظم المؤمن المؤدى للنسك حجرا واحدا ورجم ثلاثة أحجار ، إن المؤمن إنما يطيع أمر اللّه ، فليست للحجر أي ذاتية في النسك أو العبادة . لقد رفعنا الحق من حضيض عبادة الأصنام التي هي عين الكفر ، لكنه قال لنا : « قبلوا الحجر الأسود » فقد قبلنا الحجر احتراما لأمر الآمر ، وذلك هو منتهى اليقين . لقد نقلنا الحق من مساو إلى مساو ، من عبادة الحجر إلى تعظيم وتقديس حجر مثله ، لكن الأصنام كانت منتهى الشرك ، وتقبيل الحجر الأسود منتهى اليقين . أليست هذه آيات بينات ؟